سيد محمد طنطاوي
47
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
و * ( الْجَوارِحِ ) * جمع جارحة . وهي - كما يقول ابن جرير - الكواسب من سباع البهائم والطير . سميت جوارح لجرحها لأربابها ، وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد . يقال منه : جرح فلان لأهله خيرا . إذا أكسبهم خيرا وفلان جارحة أهله . يعنى بذلك : كاسبهم ، ويقال : لا جارحة لفلانة إذا لم يكن لها كاسب » . ومنه قوله - تعالى - وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ « 1 » أي : كسبتم بالنهار . وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه . وقوله : * ( مُكَلِّبِينَ ) * أي : مؤدبين ومعودين لها على الصيد . فالتكليب : تعليم الكلاب وما يشبهها الصيد . فهو اسم فاعل مشتق من اسم هذا الحيوان المعروف لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب . أو هو مشتق من الكلب بمعنى الضراوة . يقال : كلب الكلب يكلب واستكلب أي : ضري وتعود نهش غيره وهو حال من فاعل علمتم . والمعنى : أحل اللَّه لكم الطيبات ، وأحل لكم صيد ما علمتموه من الجوارح حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد . وقوله : * ( تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّه ) * في محل نصب على أنه حال ثانية من فاعل * ( عَلَّمْتُمْ ) * أو من الضمير المستتر في * ( مُكَلِّبِينَ ) * . أي : تعلمون هذه الجوارح بعض ما علمكم اللَّه إياه من فنون العلم والمعرفة بأن تدربوهن على وسائل التحايل وعلى الطرق المتنوعة للاصطياد وعلى الانقياد لأمركم عند الإرسال وعند الطلب ، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد صيده . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان بعض مظاهر فضل اللَّه على الناس ، حيث منحهم العلم الذي عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه ، وسخروا هذا الغير لمنفعتهم ومصلحتهم . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : قوله : * ( وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ ) * عطف على الطيبات : أي : أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح ، فحذف المضاف أو تجعل « ما » شرطية وجوابها * ( فَكُلُوا ) * والجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي ، والمكلب : مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد لصاحبها ، ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب . وانتصاب * ( مُكَلِّبِينَ ) * على الحال من * ( عَلَّمْتُمْ ) * . فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم ؟ قلت : فائدتها أن يكون من يعلم
--> ( 1 ) سورة الأنعام . الآية 60 .